عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

272

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

بَغْدَادُ دَارَ المُلُوك كانَتْ * حَتّى دَهَاها الَّذِي دَهَاهَا « 1 » ما غَابَ عَنْها سُرورُ مُلْكٍ * عَادَ إلَى بَلْدَةٍ سِوَاهَا ليسَ سُرورٌ بِسُرَّ مَنْ رَأى * بَلْ هي بُؤسٌ لمَن يَرَاها عَجَّلَ رَبّي لها خَرَابَاً * بِرَغمِ أنْفِ الّذي ابْتَنَاها وأحياناً نرى دعبلًا أخذ يصوغ سخريته السياسية في ثوبٍ جديد قد يكون رمزياً يحمل كلّ مظاهر الاستخفاف والتحقير ، فلمّا مات المعتصم وتولّى الواثق الخلافة نرى الشاعر يصوّر فراغ الخلافة من معانيها كلّها ونفض الناس أيديهم منها وإدارة ظهورهم لها ، وهو أمضّ ما بلغ هجاؤه السياسي من وضوح القصد في ثوب رمزي . يقول الشاعر لمّا مات المعتصم وقام الواثق مقامه : « 2 » الحَمْدُ لِلّهِ لا صَبْرٌ وَلا جَلَدٌ * وَلا عَزاءٌ إذَا أهْلُ البَلا رَقَدُوا خَلِيَفَةٌ ماتَ لَمْ يَحْزَنْ لَهُ أحَدٌ * وَآخَرٌ قَامَ لَمْ يَفْرَحْ بِهِ أحَدُ فَمَرَّ هذا وَالشُّؤمُ يَتْبَعُهُ * وَقَامَ هَذا فَقَامَ الوَيْلُ وَالنَّكدُ لما كان الخلفاء في العصر العباسي فاسدين وظالمين ، كان من الطبيعي أن يسري السوء إلى الوزراء والعمّال والكتّاب وينتشر بينهم . كان دعبل يرصد أعمال هؤلاء المنتمين إلى السلطة العباسية ، فلذلك نراه لاحق كاتب المأمون أبا عبّاد وسفَّهه ، وجمع إلى فشله في عمله بشاعة في صورته ، فتركه عارياً ملطّخاً بالحبر ، وحوّل الصورة إلى مشهدٍ متحرّك ، فجعله هائجاً يجرّ السلاسل خلفه . يقول : « 3 » أوْلى الأُمُورِ بِضَيْعَةٍ وَفَسَادٍ * أمْرٌ يُدَبِّرهُ أبُو عَبّادِ خِرقٌ عَلَى جُلَسائِهِ فَكأنَّهُم * حَضَرُوا لِمَلْحَمَةِ يَوْمِ جِلادِ

--> ( 1 ) - دها : من الداهية أي المصيبة والشدّة . يريد أنّها أصيبت بالنّائبة وأصبحت خربة . ( 2 ) - السابق ، ص 168 . ( 3 ) - السابق ، ص 181 .